اقتصاد صناعة المحتوى: فادي رمزي يوضح لماذا لا تصنع الترندات علامات تجارية مستدامة لصنّاع المحتوى
يشارك فادي رمزي رؤيته حول اقتصاد صناعة المحتوى، كاشفًا حقيقة الترندات، وتطور الجمهور، وما يحتاج إليه صناع المحتوى لتحقيق النجاح على المدى الطويل.
منذ سنوات وأنا أتابع تطور المحتوى الرقمي عن قرب، وفي كل مرة أعود فيها إلى هذا العالم أكتشف أن ما يبدو بسيطًا من الخارج يخفي وراءه الكثير من التفاصيل. وخلال حديثي الأخير مع الإعلامي شريف عامر في يحدث في مصر، كان لدي شعور بأن الوقت مناسب للتوقف قليلًا أمام مفهوم أصبح جزءًا أساسيًا من اقتصادنا الرقمي اليوم: اقتصاد صناعة المحتوى.
البداية تبدو سهلة جدًا؛ هاتف محمول، فكرة، وضغطة زر، ويمكن لأي شخص أن يصور فيديو وينشره وربما يصل إلى ملايين المشاهدات. هذه السهولة غير المسبوقة فتحت الباب أمام أعداد هائلة من الأشخاص لدخول عالم صناعة المحتوى، ومع الوقت لم يعد الأمر مجرد هواية أو وسيلة للتعبير، بل تحول إلى صناعة عالمية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات وتمتد آثارها إلى قطاعات وأسواق مختلفة.
لكن هنا تبدأ القصة الحقيقية.
فوراء مشهد المشاهدات العالية والأرقام الكبيرة والترندات التي تظهر وتختفي كل يوم، هناك سؤال أهم بكثير: هل الانتشار السريع يعني بالضرورة بناء علامة تجارية مستدامة لصانع المحتوى؟
من وجهة نظري، الإجابة ليست بهذه البساطة.
الترند قد يمنحك دفعة سريعة، وقد يضع اسمك أمام جمهور لم يكن يعرفك من قبل، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني علاقة حقيقية مع هذا الجمهور. فصناعة المحتوى المستدامة لا تقوم على لحظة انتشار واحدة، وإنما على القدرة على تقديم قيمة متكررة، وفهم الجمهور، وبناء الثقة، والاستمرار حتى عندما يتغير الترند.
وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين صانع محتوى يحقق “ضربة” ناجحة، وصانع محتوى يستطيع بناء جمهور يعود إليه مرة أخرى.
برنامج: «يحدث في مصر» – إم بي سي المقدم: شريف عامر الموضوع: اقتصاد صناعة المحتوى ولماذا لا تصنع الترندات علامات تجارية مستدامة لصناع المحتوى اللغة: العربية تاريخ النشر: 19 ديسمبر 2024شاهد المقابلة : برنامج «يحدث في مصر» على فيسبوك
في حديثي مع شريف عامر، حاولنا النظر إلى اقتصاد صناعة المحتوى من هذه الزاوية: ليس باعتباره سباقًا وراء المشاهدات والترندات، وإنما كمنظومة تحتاج إلى استراتيجية، وفريق عمل، واستمرارية، وفهم حقيقي لكيفية بناء الجمهور وتطويره.
فالترند يريد منك شيئًا سريعًا وبأقل مجهود، بينما صناعة المحتوى الحقيقية تحتاج إلى مجهود أكبر، وفريق، واستمرارية. وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن بناء الجمهور على المدى الطويل يظل أحد أهم الأصول التي يمكن لصانع المحتوى امتلاكها في السوق الرقمي في مصر والمنطقة العربية.
أبرز النقاط
كان اقتصاد صناعة المحتوى هو النقطة التي بدأ منها الحوار، والتي أعتقد أنه يجب أن يبقى حولها. فالفكرة التي حاولت توضيحها خلال اللقاء لم تكن فقط أن الترندات تنتهي بسرعة، وإنما أن اقتصاد صناعة المحتوى في النهاية يكافئ من يستطيع بناء شيء قابل للاستمرار، وله هوية واضحة، ويقدم قيمة حقيقية للجمهور.
الترند يصنع لحظة، لكنه لا يصنع بالضرورة علامة تجارية.
أرى يوميًا صناع محتوى يطاردون الترند الجديد. فيديو يحقق انتشارًا كبيرًا، والأرقام ترتفع، والمشاهدات تتضاعف، ثم بعد ساعات يظهر ترند آخر ويختفي كل شيء بالسرعة نفسها التي ظهر بها. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه هي الاستراتيجية بالكامل. إذا كان كل ما تملكه هو قدرتك على اللحاق بالترند، فأنت تبني حضورك على شيء يتغير باستمرار. أما العلامة التجارية الحقيقية، فتحتاج إلى هوية يستطيع الجمهور التعرف عليها والعودة إليها حتى عندما ينتهي الترند.
اقتصاد صناعة المحتوى أصبح صناعة حقيقية، وليس مجرد هواية.
من السهل أن يرى الجمهور الفيديو النهائي ويعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من شخص يحمل هاتفًا ويضغط زر التسجيل. لكن خلف صانع المحتوى الذي يستمر وينمو هناك عادةً فريق، وأسلوب عمل، وبحث، وتخطيط، واستثمار، وخبرة حقيقية. المثال الواضح على ذلك هو صناع محتوى مثل MrBeast؛ ما يبدو بسيطًا وسهلًا أمام الكاميرا يخفي وراءه منظومة إنتاج ضخمة واستثمارات وفرقًا تعمل بشكل مستمر. وهذا جزء مهم من الصورة التي لا تظهر للمشاهد.
تطوير الجمهور من أكثر المهارات التي لا تحصل على الاهتمام الكافي.
صناعة المحتوى لا تعني فقط أن تنشر باستمرار. السؤال الأهم هو: لمن تصنع هذا المحتوى؟ وما الذي يحتاجه هذا الجمهور؟ وما القيمة التي تقدمها له ولا يجدها بسهولة في مكان آخر؟ عندما يعرف صانع المحتوى جمهوره جيدًا، يصبح قادرًا على بناء علاقة تتجاوز مجرد المشاهدة. وهنا يتحول المحتوى إلى ثقة، والثقة هي التي تجعل الجمهور يعود مرة أخرى.
الرغبة في الشهرة دون الاستعداد للعمل هي أكبر فجوة أراها.
هناك من يريد الانتشار قبل أن يحدد ما الذي يريد أن يقدمه، ويريد أرقامًا كبيرة دون أن يبني عمقًا حقيقيًا في المحتوى. يبحث عن أقصر طريق وأسرع نتيجة. لكن صناعة المحتوى المستدامة لا تعمل بهذه الطريقة. النجاح الحقيقي يحتاج إلى وقت، وتجربة، وتعلم، وتطوير، وفريق في كثير من الأحيان. ولهذا أعتقد أن الفارق الحقيقي يظهر بعد سنوات، وليس بعد أول فيديو يحقق ملايين المشاهدات.
في النهاية، المسألة ليست في أن نرفض الترندات أو نتجاهلها. الترند يمكن أن يكون أداة مفيدة للوصول والانتشار، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من أداة ضمن استراتيجية إلى الاستراتيجية نفسها. صانع المحتوى الذي يريد الاستمرار يحتاج إلى أن يسأل سؤالًا أبعد من: “كيف أجعل هذا الفيديو ترند؟”؛ السؤال الأهم هو: “لماذا سيعود هذا الجمهور لمشاهدة المحتوى الذي سأقدمه غدًا؟”
وهنا، في رأيي، يبدأ الفرق بين صناعة محتوى من أجل المشاهدة وصناعة محتوى من أجل بناء جمهور وعلامة تجارية مستدامة.
الترند يقدم شيئًا سريعًا وبأقل مجهود، لكن صناعة المحتوى الحقيقي تحتاج إلى مجهود، وفريق عمل، واستمرارية.
فادي رمزي، من حواره مع الإعلامي شريف عامر في برنامج يحدث في مصر
كيف ينتقل صناع المحتوى من الترندات إلى بناء جمهور مستدام؟
إذا كنت تريد النجاح في اقتصاد صناعة المحتوى، فلا يمكنك الاعتماد على انتشار واحد أو فيديو يحقق ملايين المشاهدات. في هذا الاقتصاد، الاستمرارية أهم من الحظ، وثقة الجمهور أهم بكثير من ارتفاع مؤقت في معدلات الوصول.
معظم صناع المحتوى يعرفون أن الترندات قصيرة العمر. لكن السؤال الأصعب هو: ماذا ستبني بدلًا من ذلك؟
:هذه هي المنهجية التي أعود إليها دائمًا عند الحديث عن هذا الموضوع
حدد مشكلة واحدة لدى جمهور محدد
إذا كان المحتوى الذي تقدمه لا يعالج مشكلة أو احتياجًا واضحًا، فلن يكون لدى الجمهور سبب حقيقي للعودة إليك.
أقوى العلامات التجارية لصناع المحتوى لا تُبنى فقط حول شخصية صاحبها، وإنما حول وعد واضح للجمهور. وهنا يأتي الإطار الذي أعتمد عليه: ثلاثة عناصر محددة، وهي جمهور مستهدف محدد، ومشكلة محددة، وحل محدد تقدمه لهذا الجمهور.
عندما تلتقي هذه العناصر الثلاثة، يصبح المحتوى أكثر وضوحًا، وأسهل في التعرف عليه، وأكثر قابلية للبحث، والأهم أنه يصبح قادرًا على بناء الثقة مع الوقت.
ابنِ أشكالًا متكررة للمحتوى
التكرار لا يعني الملل، طالما أن المحتوى يقدم قيمة حقيقية. عندما تقدم محتوى ضمن أشكال أو سلاسل منتظمة، يعرف الجمهور ما الذي يمكن أن يتوقعه منك، ويصبح من الأسهل عليه متابعتك عبر المنصات المختلفة.
كما أن وجود قالب واضح ومتكرر يساعدك أنت أيضًا على تسريع عملية الإنتاج والحفاظ على اتساق رسالتك.وهذا الأمر لا يقتصر على منصات صناعة المحتوى التقليدية؛ فبناء حضور مهني قوي على لينكدإن يحتاج أيضًا إلى استراتيجية واضحة للمحتوى والاستمرارية. ويمكنك الاطلاع على خطوات استخدام لينكدإن لنمو الأعمال وكيف يمكن تحويل الحضور على المنصة إلى أداة للنمو وبناء العلاقات المهنية.
ومن واقع تجربتي، أحد أكبر الأسباب التي تمنع صناع المحتوى من تحقيق هذا النوع من الاستمرارية هو الخوف من النشر نفسه. عندما تتعامل مع صناعة المحتوى باعتبارها عملية مستمرة وليست مجموعة من المحاولات المنفصلة، يصبح من الأسهل بناء نظام واضح للإنتاج.
فإذا كان المحتوى هو الملك، فإن الاستمرارية هي المحرك الذي يبقيه مستمرًا.
الأدوات المناسبة لصناعة المحتوى يمكن أن تساعد في تحويل هذه الاستمرارية من مهمة يومية مرهقة إلى نظام عمل واضح يمكن تطويره وتكراره.
قِس الاحتفاظ بالجمهور والثقة، وليس الوصول فقط
الوصول مهم، لكنه ليس المؤشر الأكثر استدامة.
هناك فرق كبير بين منشور يحقق اهتمامًا كبيرًا لمرة واحدة، وعلامة تجارية تجعل الجمهور يعود إليها باستمرار.
:لذلك، لا تنظر فقط إلى عدد المشاهدات. راقب أيضًا
عمليات الحفظ.
التعليقات.
المتابعين الجدد.
الردود والمحادثات.
التفاعل المتكرر مع المحتوى.
هذه المؤشرات تخبرك بما إذا كان الجمهور يرى قيمة طويلة المدى فيما تقدمه
وفي رأيي، من المهم أن تنتقل من الدعوة العامة إلى التفاعل إلى دعوة واضحة للحصول على قيمة. بدلًا من أن تطلب من الجمهور فقط الإعجاب أو المشاركة، امنحه سببًا حقيقيًا للعودة والتفاعل. هذه هي الطريقة التي تتحول بها المشاهدة إلى علاقة، والعلاقة إلى ثقة.
الجانب المالي الذي لا يمكن لصانع المحتوى تجاهله
هناك جانب آخر من اقتصاد صناعة المحتوى لا يحصل على الاهتمام الكافي: الجانب المالي وكيفية تحقيق الدخل من الجمهور.
ومع توسع نماذج الدخل الخاصة بالمؤثرين وصناع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أيضًا ممارسات ومخاطر مرتبطة باستغلال بعض أنظمة تحقيق الدخل، بما في ذلك إساءة استخدام أنظمة الهدايا في البث المباشر.
لذلك، أعتقد أن صانع المحتوى الجاد يحتاج إلى فهم الاقتصاد الذي يعمل داخله، وليس فقط كيفية زيادة المشاهدات. يجب أن يعرف كيف يتم تحقيق الدخل من المحتوى، وأين يمكن أن تحدث الممارسات غير السليمة، وكيف يحافظ على علاقة شفافة ومسؤولة مع جمهوره.
يمكنك الاطلاع على كيفية تحقيق الدخل من العلامة الشخصية لمعرفة الخطوات العملية لتحويل الخبرة والحضور الرقمي إلى فرص ومصدر دخل مستدام.
الظهور من دون مصداقية لا يتحول إلى قيمة مستدامة.
وفي النهاية، بناء جمهور مستدام لا يتعلق بإيجاد الترند القادم، بل ببناء شيء يجعل الجمهور يريد العودة حتى بعد انتهاء الترند.
الترند قد يمنحك لحظة، لكن الجمهور هو الأصل الذي تبنيه على المدى الطويل.
تحدثت عن هذه القضية أيضًا خلال ظهوري على سكاي نيوز عربية، في نقاش حول المؤثرين الوهميين والمتابعين الوهميين وكيف أصبحت هذه الظاهرة تؤثر في معادلة التسويق. يمكنك مشاهدة المقابلة والتعرف على المزيد حول المؤثرين الوهميين والمتابعين الوهميين .

الأسئلة الشائعة
لماذا لا تساعد الترندات في بناء علامة تجارية مستدامة لصانع المحتوى؟
الترند قد يمنحك انتشارًا سريعًا، لكنه لا يمنح الجمهور بالضرورة سببًا للعودة إليك مرة أخرى. العلامة التجارية الحقيقية تُبنى على وعد واضح ومستمر، ووجهة نظر مميزة، ومحتوى يعالج مشكلة أو احتياجًا حقيقيًا لدى الجمهور. وعندما ينتهي الترند، لا يبقى ما يحافظ على ارتباط الجمهور بك إذا كانت الاستراتيجية قائمة عليه فقط. وهذا ما رأيته يتكرر كثيرًا في عالم صناعة المحتوى.
ما المؤشرات التي ينبغي على صناع المحتوى متابعتها؟
إلى جانب الوصول والمشاهدات، أهتم بشكل خاص بعمليات الحفظ، والتعليقات، والمتابعين الجدد، والردود، والتفاعل المتكرر. هذه المؤشرات تساعدك على معرفة ما إذا كان الجمهور يرى قيمة مستدامة في المحتوى الذي تقدمه، وليس فقط أنه شاهده مرة واحدة لأن الخوارزمية أوصلته إليه.
هل يمكن أن يكون اقتصاد صناعة المحتوى نموذجًا مستدامًا للأعمال؟
بالتأكيد، ولكن بشرط التعامل معه كصناعة حقيقية وليس مجرد هواية. وهذا يعني الاستثمار في جودة الإنتاج، وفهم الجمهور بعمق، وبناء أشكال متكررة وقابلة للتطوير من المحتوى، وفهم نماذج تحقيق الدخل وكيفية عملها، إلى جانب الانتباه إلى الممارسات التي قد تؤدي إلى إساءة استغلال هذه النماذج.
عن فادي رمزي
مستشار للعلامة التجارية الشخصية للقيادات التنفيذية وخبير في الاقتصاد الرقمي. يتركز عملي على تعزيز الحضور الشخصي، واستراتيجية المحتوى. أساعد القيادات التنفيذية وأعضاء مجالس الإدارة والقادة الطموحين على بناء و تعزيز العلامة التجارية الشخصية.
إذا كنت صانع محتوى أو قائدًا تنفيذيًا أو علامة تجارية تسعى إلى بناء شيء يستمر، فأهلًا بك.
تواصل معي لمعرفة المزيد | تواصل معي عبر لينكد ان



